الحطاب الرعيني
34
مواهب الجليل
فإن لونه مظلم وباطن ذنبه أبيض . وشبهه الشعراء مع الليل بالثوب الأسود الذي جيبه في صدره إذا شق جيبه وبرز الصدر . ويقال الكاذب والكذاب لأنه يغر من لا يعرفه ، وتسميه العرب المحلف كأن حالفا يحلف لطلع الفجر وآخر يحلف أنه لم يطلع . قال في الذخيرة : وكثير من الفقهاء لا يعرف حقيقة هذا الفجر ويعتقد أنه عام الوجود في سائر الأزمنة ، وهو خاص ببعض الشتاء . وسبب ذلك أنه المجرة فمتى كان الفجر بالبلدة ونحوها طلعت المجرة قبل الفجر وهي بيضاء فيعتقد أنها الفجر ، فإذا باينت الأفق ظهر من تحتها الظلام ثم يطلع الفجر بعد ذلك ، وأما في غير الشتاء فتطلع المجرة أول الليل أو نصفه فلا يطلع آخر الليل إلا الفجر الحقيقي انتهى . ونازعه غيره في ذلك وقال : إنه مستمر في جميع الأزمنة وهو الظاهر ، ولا شك أن ذلك الوقت من الليل فلا يحرم فيه الاكل ومن صلى الصبح فيه لم تجزه بلا خلاف . واختلف في آخر وقتها فذكر ابن عرفة في ذلك طريقين : الأولى : للقاضي عبد الوهاب والمازري أنه طلوع الشمس . قال ابن العربي : ولا يصح غيره . الثانية : للأكثر وأبي عمر بن عبد البر أنه اختلف فيه على قولين : فقيل : للأسفار الأعلى ، وقيل : طلوع الشمس ، والأول رواية ابن القاسم ، والثاني رواية ابن وهب مع قول : الأكثر . ومقتضى كلام ابن الحاجب أن الثاني هو المشهور لتصديره به وعطفه الأول عليه بقيل قال في التوضيح : وليس كذلك بل ما صدر به قول ابن حبيب ومذهب المدونة الاسفار . قال ابن عطاء الله : أي الأعلى وهو قوله في المختصر . قال ابن عبد السلام : وهو المشهور . نعم يوافق كلام ابن الحاجب ما قاله ابن العربي : الصحيح عن مالك أن وقتها الاختياري إلى طلوع الشمس . قال : وما روي عنه خلافه لا يصح . قال ابن عطاء الله بعد كلامه : إن كان ثم وجه يلجأ إلى تأويل كلام المدونة والمختصر وإلا فلا يمكن أن يقال في نقل المدونة : لا يصح انتهى . تنبيهات : الأول : اختلف في تفسير الاسفار ففسره ابن العربي بما تتبين به الأشياء وتتراءى به الوجوه ، ونقله عبد الحق عن بعض المتأخرين وفسره الشيخ أبو محمد بما إذا تمت الصلاة بدأ حاجب الشمس ، وقاله عبد الحق . وقال في التنبيهات : الاسفار البيان والكشف وهو يقع أولا على انصداع الفجر وبيانه ، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام : أسفروا بالفجر فإنه أعظم للاجر أي صلوها عند استبانة الصبح والأول ظهوره لكم . والاسفار الثاني هو قوة الحمرة والضياء قبل طلوع الشمس وذلك آخر وقتها الذي ليس بعده إلا ظهور قرص الشمس ، وقد اختلف هل هو وقت أدائها أو وقت ضرورة ؟ انتهى .